Home / Microthoughts / ذاكرة رمضان
ابتسامة طفلة

ذاكرة رمضان

سنوياً ارافق والدتي الى ذلك المكان الذي اسمع باسمه منذ الصغر ، الذي لا يُذكر في خانة ولادتي ولا خانة ولادة والدتي، مكان انتمينا اليه بمحض الصدفة، هي سبقتني اليه بسبب فارق العمر، كبرت في أحضان أمي وهي تزرع مفهوم العطاء في قلبي، واترعرع هذا المفهوم حتى بتُّ أمارسه في عاداتي تلقائياً.

تعمل والدتي في رابطة أهالي رأس النبع الاجتماعية منذ سنة 1989 اي من تاريخ وعيّ، تعمل والدتي مع العائلات الفقيرة والمحتاجة في المنطقة، والارامل والايتام لهم حصة الاكبر من هذا الجهد والعناء، كنت لوالدتي ومازلت الأذن الصاغية التي تشاركها مشاهدها ودموعي ودموعها تخرج في آنٍ معاً من الُمقل لتلقي على دروب الاذرع وهي تحدثني عن الكثير من الحالات المُصطلح المُستخدم في هذا المجال، تحدثني وأستمع واصغي وابكي; هي قصة طويلة اربع وثلاثين سنة من العمل المضني والمجتهد والمتعب، الحمدلله الى هذا اليوم نقول الحمدلله دائما وابدا، فقد جمعنا الكثير من المحبين فيا رب اهدينا دعائهم يا رب العالمين.

منذ الطفولة كان رمضان له معنى آخرفي لبنان، معنى العيد، معنى ملابس العيد، معنى أن تخفيها لكي لا يراها أحد، فأنت وأنا متحمسين لارتدائها; في بيتنا القديم، كنا أنا وأخواني نستيقظ باكرأ، الذكور يذهبون الى الصلاة وأنا كنت أهرول الى منزل عمتي، فمن منزلها أستطيع ان ارى المسجد وان اتابع الطقس الاول من طقوس العيد وهي صلاة العيد، انتهي منه بفرحة كبيرة وأنا أتابع خروجهم من المسجد اركض الى منزلنا، فأريد أن ارتدي ملابسي الجديدة وأنزل بها ادارجي الى منزل جدي الذي كان يقع في الطابق الارضي اي اسفل البيت، فلقد كان العقار قديم والمنازل عشوائية  بسيطة وفرحة ودائماً فرحة حتى لو اتى نسيم حزين فعليل فرح الطفولة كان أقوى.

وتدحرجت السنون الى أن كبرنا وقطعنا المراهقة دخلنا الجامعة تخرجنا عملنا انتقلنا الى منزل جديد، تفرقت المنازل، وصار منزل عمتي بعيد، ومنزل جدي أبعد، وأصبح مشوار الصباح أصعب.

السنون تركض ونحن نحاول اللحاق بها، وأصبح رمضان عادة وطقس من طقوس السنة، لم يعد ملابس جديدة ولا حتى مسجد، أن ثقل الحياة أثقله معنا، حتى بات للفقير شهر يحتسب له الكثير من الحسابات، صحيح اننا نصوم في رمضان فهذا لا يعني أن عبء المصروف اليومي خف، بل العكس فمائدة رمضان هي زينة الصائم ينتظهرها من الفجر حتى المغرب لتكون عيده اليومي حتى يأتي بعد ثلاثين او تسعة عشرين يوم العيد الأكبر عيد الصائم.

رمضان هو شهر الخير والبركة، هو شهر الذي انزل فيه القرآن، هو شهر ليلة القدر، شهر الدعاء والايمان.

رمضان ليس عادة ولن يتحول الى عادة، رمضان هو الصائم الفقير الذي يذهب يومياً الى شقاء عمله، هو الغني الذي يدفع زكاته، هو الأم التي تفرح بتحضير الطعام، وهو صلة الرحم، بل هو صلة الرحم بل على الأكثر هو صلة الرحم، ثلاثين يوماً نجلس معاً من أصل ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً في السنة لا نفكر بهذه الجمعة ابداً ولا نستطيع تأمينها الا في بعض المناسبات ومع التشديد على الدعوة واللقاء، رمضان يأتي مفتخراً بنفسه يستطيع ان يقوم ما لا تسطيع الايام القيام به.

لنعود، سنوياً يأتي رمضان، ويضج بافطاراته الغنية، وافطارات الرابطة، بافطارات هؤلاء الاطفال، المساكين والايتام، الى هؤلاء الاطفال الذين يزرعون الابتسامة في قلوبنا من دون سؤال، يسقونها شغب جميل وان كان في بعض الاحيان متعب لكنه مرضي في الوقت عينه.

أحب الاطفال، أحب مسرح الاطفال، أحب العاب الاطفال، أحب سينما الاطفال، ابتسم مثل طفلة على هدية بسيطة وأبكي مثلهم على أبسط الامور، مثل اذا ذبلت وردة من ورودي أحزن، واي  نشاط او اي حركة اعلم سوف تدخل البهجة لهم اذهب اليها من دون استئذان.

واليوم ومنذ 4 الى 5 سنوات سابقة، بدأت الرابطة بطرح مسيرة رمضان في شوارع منطقة رأس النبع بمشاركة أطفالها، تنوعت البرامج منذ السنة الاولى الى يومنا هذا، كان في بادئ الأمر تُقام في أواخر أيام رمضان قبل وقت المغيب ليتجمع المشاركين من جميع الاعمار على مائدة الافطار، يتجمع المنظمين والمشاركين على مائدة، نوع الطعام، وأدوات الطعام ذاتها لا تفرقة بين أحد فهذا هو مفهوم رمضان، المساواة والعدل.

تخللت هذه المسيرات ايضاً رقصات طفولية على بعض الاغاني التي أعدت خصيصاً لهذا الشهر المبارك، نذكر منها “علو البيارق” “بيروت يا بيروت”، .. الخ، دائمأ نرى المسحراتي يتقدم المسيرة، تتطورت المسيرة مع السنين ودخل فوج الكشاف من أبناء المنطقة وبدأوا ايضا يسيرون مع أطفال الرابطة والمنطقة ويتجمع اهاليهم حوالهم وبهذا ازداد عدد المشاركين في المسيرة من سنة الى سنة، وبدأ التلفاز ضمن فقرات الخاصة بالانشطة الثقافية يغطي النشاط اعلامياً، وهناك ايضاً متبرعين للنشاط ففي النهاية الامر هذا نشاط لرابطة لا تبغي الربح، بل العمل والتطوع من أجل أبناء منطقة رأس النبع، المنطقة البيروتية بامتياز، منطقة خط التماس اي منطقة الخط فاصل خلال الحرب الاهلية اللبنانية، لذلك طعم الفرحة لجميع ابناءها /غيّر

ان هذه المسيرة أصبحت تُنتظر سنوياً لسير فيها، والان أصبحت قبل بدء شهر رمضان المبارك بأيام، اي اصبحت تبلغ قرب هذا الشهر الفضيل، وتهلل به لكي تستقبله وتحتضنه بأذرعها، وتفرح لمجيئه ومجيئ سيد صلة الارحام، فالأم سوف تجلس مع اولادها على مائدة واحدة، بعدما كانت فقط تجهز الطعام في الايام العادية ويتناولون طعامهم على انفراد بسبب وقت العمل والدراسة، والأب سوف يجلس معهم ليشاطرهم الاحوال، فلا يلتقي الاب عادةً بهم، فهنا تتاح له الفرصة للسؤال والاطمئنان، فعادةً ما يجمع العائلة هو الفاجعة، المرض، الموت اي الحزن، أو فرحٍ ما، في المناسبات.

مازلت أتكلم عن داخل الأسرة الواحدة وليس عن العائلة الموسعة الكبيرة، وهنا يأتي دورها من رمضان لكي تتجمع في منزل الجد والجدة أو منزل العم الأكبر أو الخال ألاكبر او من هو يتمثل بكبير العائلة، يتجمع ايضا الاصدقاء، الاصدقاء الذي باعدت عنهم هموم الدنيا والاحوال.

الجميل في لبنان التنوع اي التنوع الطائفي، فايضاَ مائدة رمضان تحتوي هذا التنوع بفرحة كبيرة وصادقة ولايهمهم نوع المنزل، المهم المائدة واللمة الجميلة حولها، وهنا يسأل البعض عن البعض وعن الاحوال، وتكمن فرحة يا ريتها تتكاثر أو تبقى على ذاتها بعد الانتهاء هذا الشهر الفضيل.

شهر الخير والبركات، شهر الصوم والزكاة، شهر العبادة، شهر صلة الارحام، رمضان صلة أرحام هذا الوطن لبنان، يصله ضمن تنوعه واختلافه يستطيع شهر الاخلاق ان يكون هذا الجسر العبور من طائفة الى طائفة ومن مذهب الى مذهب دون اي سؤال ولا حتى دعوة او حفل استقبال، دون خطابات صُغت سابقا لتجمل الكلام، يأتي رمضان ليكون الدعوة الى التسامح والغفران.

فيا رمضان اهلا وسهلا بك، اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين، وأعيده على بلدي الحبيب فهو بحاجة الى رمضان بكل سنة ولكل السنة.

صور من مسيرة رابطة أهالي رأس النبع الاجتماعية التي أقيمت نهار الاربعاء الواقع في 24 ايار 2017، في منطقة رأس النبع التي انطلقت من جامع الـ ذو نورين وصولاً الى أخر شارع محمد الحوت ثم الالتفاف الى اليسار ومن ثم يسار لنصل الى داخل أحياء المنطقة ومن ثم العودة الى نفس الجامع الذي بالعادة يُقام فيه افطارات الرابطة في رمضان.

شارك في هذه المسيرة المسحراتي، فوج كشاف جامع عبد الرحمن بن عوف، الكشاف المسلم، فرقة الزفة، أطفال المنطقة وعدد من الاهالي، مرافقين رئيس الرابطة عبد الودود النصولي.

الصورة تتكلم
ابناء الرابطة ورئيسها والاعضاء
ابناء الرابطة ورئيسها والاعضاء
المسحراتي
الزفة الرمضانية وأبناء الرابطة

كشاف المسلم
فوج جامع عبد الرحمن بن عوف
كشاف المسلم
أبناء الرابطة
اطفال من خارج المسيرة، انضمت
الصورة الجماعية
الزفة الرمضانية
الزفة الرمضانية
الزفة الرمضانية
الزفة الرمضانية
طفلة جميلة
طير يا بالون
ابتسامة طفلة
فرحة طفلة
فرحة الاطفال

Check Also

الرواية كشاهد لتوثيق مأساة فلسطين:”أولاد الغيتو” بين الصمت والموت

 هذا المقال في 17 اذار 2016، وتم اساله الى اكثر من موقع الكتروني ليتم نشره”، …

Leave a Reply

%d bloggers like this: